أخبار ساخنة

اعتصام حاشد لأبناء الاقليم امام كسارة الجية رفضا لـ "مشروع الموت" ورسالة تحذيرية للحكومة للعودة عن قرارها لا زيادة التلوث في المنطقة


أحمد منصور وخديجة الحجار - بوابة الاقليم والشوف - الجية

قال أبناء اقليم الخروب كلمتهم الفصل والحاسمة اليوم بكل وضوح وشفافية من "مشروع الموت الجديد" الذي تحضرّه الحكومة لهم، إذ عبّر أبناء المنطقة عن رفضهم المطلق وغضبهم وإستيائهم الشديد من خطة الحكومة في معالجة مشكلة النفايات على حساب أرواح وصحة أبناء الاقليم من خلال اعتماد كسارة الجية – بعاصير – ضهر المغارة، كموقع لمحرقة أو مطمر للنفايات.

وعليه وتحت شعار "لن يمر لا بالعرض ولا بالطول، وإما قاتل أو مقتول"، عبارة أطلقها حشد كبير من أهالي وأبناء منطقة اقليم الخروب، خلال الإعتصام الذي نفذوه غروب اليوم عند مدخل موقع الكسارة المذكورة، بدعوة من لجنة تنسيق اهالي اقليم الخروب، بمشاركة حاشدة من مختلف الأحزاب والقوى الوطنية والسياسية التي يتكون منها مجتمع الاقليم، الى جانب رؤساء بلديات برجا الدكتور ريمون حمية وبعاصير أمين القعقور وضهر المغارة جورج داغر والجية نائب الرئيس وسام الحاج ورئيس بلدية برجا السابق نشأت حمية واللواء علي الحاج وإمام مسجد الديماس في برجا الشيخ الدكتور أحمد سيف الدين وإمام مسجد برجا الكبير الشيخ جمال بشاشة وكاهن بلدة ضهر المغارة الأب شارل كسّاب والأمين العام السابق للحزب الشيوعي الدكتور خالد حداده وحشد من أبناء المنطقة والمخاتير والأهالي والجمعيات والفاعليات واعضاء المجالس البلدية وحشد من الأطفال وشباب وصبايا من مختلف الأعمار.

وحرص المنظمون على عدم اطلاق الشعارات الحزبية، على اعتبار أن التحرك أهلي ومن المجتمع المدني، واقتصر الأمر أيضاً على رفع العلم اللبناني فقط وسط حضور كثيف للقوى الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي.

ويبدو أن المعتصمين أرادوا على توجيه رسالة تحذيرية للمعنيين في الحكومة وأصحاب الشأن، مفادها أن أي خطوة بإتجاه موقع الكسارة بخصوص النفايات لن يكون سهلاً، وهي تتطلب معركة ومواجهة دامية وحتمية مع الاهالي، ومن شأنها ان تترك الوضع مفتوح على كل الإحتمالات، على خلفية "يكفينا ما عندنا من تلوث" ولن نسمح بمصادر تلوث اضافية مهما كانت التحديات والمحاولات.

وكان لافتاً أن الأطفال حملوا اللافتات المنددة بالمشروع ومنها "سنواجه هذا المشروع المميت والمدمر"، "صحة أولادنا اولاً"، "سموم المعامل تكفينا" و"لن يمر"...

كسّاب

بداية القى الأب كسّاب كلمة فقال: "في هذا اليوم المبارك، يوم الحقيقية، جئنا نشهد كرجال الله على الحق، فيسوع كان يقول دائماً "الحق الحق اقول لكم"، إن قرار مجلس الوزراء الأخير المتعلق بانشاء هذا المطمر للنفايات في كسارة الجية – بعاصير – ضهر المغارة، هو مخالف للتشريع الالهي وللتشريع الوضعي والطبيعي، فالأرض هي أرض وقف لله وقداسة البابا في اليوم البيئي العالمي أعطى رسالة "ان الطبيعة بيتنا المشترك فلنحافظ عليها ولتكن الخليقة مسبّحة لله وممجدة للرب، فإن هذا المطمر لن يجمّد الله ولن يسبّحه، بل هو مخالف للشريعة الالهية، والقرار ايضاً، وهي خطيئة مميتة".

وتابع: "هذا المطمر هو جريمة متمادية ومستمرة ويقتل الأطفال والعجّز وينشر السموم، في الجية وضهر المغارة والدبية وبرجا وبعاصير وكل الاقليم، لذلك لن نقبل كخدّام للرب أن نسكت عن هذه الجريمة وعلى قول الحقيقة، وهذا القرار مخالف للتشريع الوضعي ولقانون العقوبات وللأثر البيئي ولكل التشاريع المتعلقة بالبيئة".

وسأل "هل يعقل أن يكون المطمر بين المساكن والبيوت، بين الناس والأطفال؟ لن نقبل وكما قال يسوع "ان ترقّعوا بالثوب العتيق"، لذلك نطلب من السلطة التنفيذية الموكلة في ادارة المرافق العامة اعادة النظر بهذا القرار الاداري المخالف للتشريع الوضعي".

وأكد كسّاب "أن المطمر لن يمر من هنا"، وقال "نحن رجال الله لن نسكت"، وختم "لن يمر، لن يمر، لن يمر".

بشاشة

ثم كانت كلمة للشيخ جمال بشاشة الذي قال: "الخداع عبودية، فهل ترضون أن تكونوا عبيداً؟ ليس هناك أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من مسؤول يتولّى أمورنا ثم يفرّط فيها ويضيّعها، هل كتب علينا أن نتجرّع السم وأن نتحمّل الفظاظة وأن تحلّ علينا اللعبة بدل البركات؟ أليس عاراً وطنياً وأن تدبَّر لنا المكائد ولا من يسأل فينا أو يدافع عنا أو ينظر في أحوالنا البائسة؟ هذا الكم الهائل من الاهمال أليس مفجعاً؟ هذا القهر المتواصل على مدى عقود وسنوات، أما يولّد فينا ثورة وانتفاضة؟ هل نحن نعيش في دولة إسمها دولة، أم نعيش في ظل "مافيا"؟ كيف نثق في سلطة وهي لا تفكّر فينا إلا عندما تفكر في الزبالة؟"

وأضاف: "دولة تريد قتلنا، تكيد لنا، لا ذمة عندها ولا ولاء"، وقال: "دلّونا على انجازات التي نتمتع بها في هذه الناحية؟، اين هي المشاريع الانمائية التي ننعم بها هنا؟ هل نحن في هذه المنطقة مندورون فقط للأمراض وللكوارث وللنكبات؟ فإذا لم تحسن الدول تدبير شؤون الناس ورعاية مصالحهم، بل هي على العكس تهدد حياتهم وتخرّب ديارهم وتسمم أجواءهم، هذه دولة تستحق الحياة؟ هل هذه الدولة تقتل مواطنيها وتدبر لهم المكائد تستحق الاحترام؟ يكذبون ويكذبون ويكذبون، ولكن حبل الكذب قصير".

وتابع: "في كل حي وحارة وفي كل بلدة وقرية، هناك مرضى يئنّون ويتألمون، فهل من شريعة او قانون، هل من انسانية تبيح السكوت على الضيم؟ فرسول الله محمد (ص) يقول "اذا خشيت أمتي ان تقول للظالم يا ظالم، فقد تودّع منها"، من لا يقف في وجه الظالم لا حياة كريمة له ابداً، كيف نسكت على وجع امهاتنا وآبائنا واخواننا؟ فإن سكتم لن يرأفوا بكم بعد اليوم، من يطبب أهلكم وأولادكم، وإن سكتم فسوف ترمّل نساءكم ويتيتّم اطفالكم، وستثكلكم امهاتكم واحداً تلو الآخر ويتهجّر من بقي منكم، فإن لم نقف هذه المرة وقفة واحدة صلبة ومنيعة تحرق وتخرق حصونهم، حصون المافيات والسرقات وحصون النهب في هذا البلد، سيأتون علينا جميعاً واحداً واحداً، وإن لم نفعل هذا، وإن لم نقف هذه الوقفة، فستكون هجرتنا هذه المرة هجرة لا عودة بعدها".

وتابع: "لا بقاء لنا في أرضنا وبيوتنا إن لم نطمر مطمرهم، لا بقاء لنا في بيوتنا إن لم نحرق محرقتهم".

وختم الشيخ بشاشة كلمته وهو يجهش بالبكاء فقال: "إلى عيون أختي التي ماتت بالسرطان، وإلى عيون خالتي التي ماتت بالسرطان، وإلى عيون عمتي التي ماتت ايضاً بالسرطان، الى كل قريب لكم مات بهذا المرض أو بشبيه منه، لعيون هؤلاء جميعاً سنقاوم وسنظل نقاوم ما بقيت فينا قطرة دماء، فهل تسكتون ايها الناس، وتموتون ميتة الذل والمهانة، أم تقاومون وتعيشون بكرامة، الخيار لكم أيها الناس، فالغضب الساطع آتٍ وأنا كلي ايمان".

القزي

ثم ألقى الدكتور جان القزي كلمة لجنة تنسيق اقليم الخروب مرحّباً بالحشود الذين يعبّرون عن معاناة الاقليم ويرفضون الواقع المرير، وقال: "ربما هي الوقفة التاسعة أو العاشرة خلال السنوات الأربع المنصرمة احتجاجاً على واقعنا المرير بيئياً وصحياً وانمائياً. صدقاً توقفنا عن العد. بالأمس القريب ربما كان الوداع الألف والألفين لضحية جديدة من ضحايا السرطان، صدقاً توقفنا عن العد، ورغم ذلك لم يتغيّر شيء، لماذا هذا الاستهداف لاقليم الخروب؟ لماذا تستمر السلطة بتجاهلنا، وباستنزاف منطقتنا غير آبهة بصحتنا ومستقبلنا؟ بل وتريد أن تزيدنا من الكأس المرّ الذي نتجرّعه يومياً، يا لوقاحتهم ويا لظلمهم".

واضاف: "لقد كانت هذه البقعة التي تطأها أقدامنا اليوم جنّة تسبّح الخالق وتمجّده، لقد كانت فسحة أمل ونهر خير لطالما استمتع بمياهه العذبة آباؤنا وأجدادنا، ولكن ويا للأسف لن يستمتع بها ابناؤنا وأحفادنا، فيا لمأساتنا ويا لمعاناتنا. هذه الجنة هي اليوم هي في أبشع صورها وفي أشنع المواقع في لبنان حيث نقف واياكم لنقول لتلك السلطة الفاقدة للثقة "مشروع الموت الذي تريدونه لنا وتخططون له على أرضنا لن يمر ولن يمر". "قلناها بالأمس مرة "لن يمر" ونكررها اليوم الف مرة ومرة لن يمر ولن يمر ولو على جثثنا وجثث أطفالنا، فالمطمر مخطط تهجيري ولن نسمح بأن نهجّر من أرضنا مرة أخرى. لن نسمح بأن يلوَّث هواؤنا الذي ما عاد يحتمل ذرة سامة واحدة اضافية، لن نسمح بأن تدمَّر ثروتنا المائية التي تستنزَف بسبب فساد السلطة وغيابها. لن نسمح بأن يتنشق شبابنا رائحة خططكم الشيطانية النتنة كل يوم في المدارس والجامعات. لن نسمح بأن نخسر أموالنا وجنى عمرنا وكدّ السنين وأن تصبح أرضنا بلا قيمة ويتحوّلأ ارث أجدادنا من خير ورزق وبركة الى مصدر أمراض وسموم ولعنة. ولم نسمح بأن نقتَل ببطء على أعتاب المستشفيات وفي غرف العلاج. يقولون وأعني الوزراء العباقرة "دعونا نطبق الللامركزية في معالجة أزمة النفايات"، نقول لهم وبكل محبة "ولما لا نطبقها في الكهرباء ايضاً. فسموم معامل الكهرباء هي حصر لنا وامتيازات لمنطقتنا، كفانا تقصيركم في معالجة الملوّثات المزمنة التي تطالنا من معمل الترابة ومرفأ الفحم الحجري الخاص به، الى خزانات الوقود الضخمة والطريق الدولية وضجيج السيارات والآليات ودخانها، الى ابراج التوتر العالي المزروعة في كل حدب وصوب والموصولة بمعامل الكهرباء التي تعمل دون حسيب أو رقيب مستخدمة أسوأ أنواع الفيول كمرمى لجيوب وعيون المسؤولين، الى الكسارات المقرفة التي قطّعت أشجارنا وطحنت جبالنا والتهمت الأخضر واليابس وأحدثت التشققات والتصدّعات في المنازل نتيجة استخدامها المفرط للديناميت وسواه من المتفجرات، ليتحول كل ذلك اموالاً في جيوب أصحاب الشهوات، وانتهاء بالمكبات العشوائية، التي تحصرنا منذ العام 2015، والتي ما هي الا دليل على كيفية تعاطي السلطة معنا، ومن خلال الاسلوب الذي اعتمدته وقررت معاقبتنا به، لأننا رفضنا أن يذبح أطفالنا ويخنق شيوخنا وتهجّر قرانا، ووقفنا في مواجهة الخضوع والخنوع في العام 2015، فلتسمع هذه السلطة جيدا وليسمع القاسي والداني وليسمع ممثلو السلطة ممن يدعون الحرص على أمن وأمان المنطقة، ان ما حصل في العام 2015، هو فيض  من غيض مما سترونه هذه المرة، وان ظلمنا مرة تلو الأخرى سيجعلنا اكثر قوة وشراسة اذا ما حاولتم فرض مطمر او محرقة تفكك حراري في الجية، أو حرق RDF في معمل سبيلن، نكرر ونشدد او حرق RDF في أفران سبلين المميتةن او أي مصدر  جديد للتلوث في ساحل الاقليم او جبله، لأننا لا نثق بكم، فقد جربناكم كثيرا".

وتابع "اليوم نقف امام كسارة الجية، وغدا سنقف امام معمل الجية وبعده امام معمل سبلين، فمنطقتنا لن تكون مقبرة مفتوحة، وسنعتبر اي خطر داهم عدو لنا ولا فرق بينه وبين اسرائيل، وسنواجهه بكل الوسائل المتاحة. نحن نهبهم العلم والرجال وهم يهبوننا المطامر والمحارق والسموم، آن لهم أن يدركوا ان الاقليم مقلع الرجال والنساء وصانع تاريخ الوطن، فرأس الأفعى يجب أن يقطع، وكساراتنا يجب أن تخضع للقوانين، وان تشجر اولا وان تثتتثمر في مشاريع بيئية تعيد الحياة لأرضنا وتبعث الأمل من جديد، والا سيبقى غيلان المال والجشع يحومون حولها كغربان الموت منتظرين الإنقضاض علينا وإفتراسنا متى سنحت لهم الفرصة، لذلك وبإسم الحاضرين والغائبين نطالب السلطة بإزالة موقع الجية – بعاصير – ضهر المغارة عن خريطة المواقع المعتمدة ضمن خطة وزارة البيئة وصرف النظر عنها نهائيا، وتحرير المواقع والعقارات المحاذية  للكسارة والسماح بإعطاء رخص بناء، وذلك ضمن منطقة بعاصير العقارية، وكف يد مجرمي الطبيعة وأعداء البيئة  بوضع حد لتفلتهم المرفوض".

وختم القزي بمطالبة الملوثين التعويض على اهالي المنطقة ودفع ما عليهم من متوجبات عن السنوات الماضية تحت مبدأ المتسبب بالضرر والملوث يدفع، حيث لن نسكت بعد اليوم عن حقوقنا، ونذكركم بأن للاقليم رجاله ورجالاته ونساؤه، فهو مقلع الرجال لا أشباه الرجال، وهو الذي كان الداعم الأول للدولة، وهو الذي يعمل على ديمومتها، ومازال وتاريخه شاهد على ذلك، ونقول لهم ونكرر ما تجربونا، وعلى جثثنا وبالدم، نموت رصاصة أسهل أن نموت بمرض السرطان، فلن يمر ولن يمر ولن يمر..."

وفي ختام الإعتصام لبس عدد من الشبان الأكفان تعبيراً عن استعدادهم لمواجهة المشروع والتصدي له لحماية المنطقة من هذه السموم القاتلة القادمة.

الصورة الرئيسية تصوير: ميلاد لمع

تصوير باقي الصور: الصحافي احمد منصور 

خاص موقع بوابة الاقليم والشوف