الحرب اللبنانية والذاكرة “البروستية”: سجائر “خالدة” و”سرفيس” الموت.. والبندورة!


بوابة الاقليم

في السعي المتواصل للكشف عن حقيقة الأحداث التي غيّرت وما تزال، وجه الوطن ومراجعة الذاكرة الفردية التي لا يمكن فصلها عن تلك الجماعية، يعود الإنسان إلى التاريخ كنقطة الإنطلاق. ولكن أين هي الحقيقة؟ يفترض الفيلسوف والمؤرخ الألماني والتر بنجامين أن التاريخ يكتب بقلم المنتصرين، فماذا لو انتصر الطغاة؟ من هنا بدأت رحلتنا للبحث عن حقيقة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) المخبأة في الكتابات الأدبية، حتى اتضح لنا أن ما يبقى من التاريخ مطبوع بالتعريف “البروستي” للذاكرة، حيث تكتسب الأشياء البسيطة معاني خالدة لما تعنيه لكاتبيها.. وفي رحلة الغوص في الذاكرة اللبنانية في كتابات فرنكوفونية عديدة بريشات لبنانية وغربية، وجدنا -مخبأة في زوايا الزمن- مركبات من الحياة اليومية بقيت لتروي لعنة الحرب على مدى أعوام طوال، ومنها السجائر وتصريحات المرور و”السرفيس” وصولا للبندورة (الطماطم)…

وانطلاقا من العلاقة العميقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، بحسب عالم المورفولوجيا الاجتماعية، موريس هالبواش، لا يمكننا إلا ربط التفاصيل الصغيرة التي تطبع الذاكرة الأدبية بالتاريخ اللبناني. فالحرب ليست نهاية العالم، ولعل هذا ما يسوغ المساحة التي حفظها الكاتب الفرنسي ريشار مييه في “شرفة في بيروت” لعلكة “التشيكلتس” ومنتجات “غندور” واللوتو اللبناني… وعلى غرار هذه الأشياء، تدخل “الشوكولاته” في الإرث الطفولي للشاعر اللبناني والديبلوماسي صلاح ستيتيه، وخصوصا في الأعوام التي سبقت الحرب الأهلية دون أن تشكل سنوات سلام بحد ذاتها. يقول: “مرّت حرب الأربعينيات على لبنان دون أن تسجّل خسائر كبيرة عدا الحصار الذي عرفته كل منطقة الشرق الأوسط (…) أما بالنسبة للطفل الذي كنته، فالأمر تلخص بحرمان لا يحتمل من الشوكولاته”. واضافة الى “طيّبات” الطفولة، ترتبط أغراض أخرى بمشاعر مختلفة كالقمع والظلم كالسجائر في رواية “سورج شالوندون”، “الحائط الرابع” (“غونكور الشرق”-2013). فبين الخيال والواقع، ترتبط السجائر بالموت، فها هي “الوينستون” حاضرة دوما بيد السائقين المغامرين على خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية “لتأمين الأخبار لوكالة الصحافة الفرنسية”، و”الفيسروي” التي تشهد على “إيقاف باص (في زحلة)، وإعدام ركابه المسيحيين كل بستين رصاصة كلاشينكوف، على شكل صليب” على يد المرابطين (مييه، ص. 134). ففي ذلك الزمن، استحالت الهوية اللبنانية حكم اعدام في حال توقف حاملها عند نقطة التفتيش الخاطئة. يروي شالندون في سياق متصل حادثة توقيف بطله على أحد نقاط الكتائب عند تقاطع السوديكو ببيروت، حيث أخطأ وأظهر الإذن الفلسطيني. يقول: “أخرجت تصريح المرور الفلسطيني، وإذ لمحته، علمت أنه الكابوس (…) ما لبث المسلح أن لقّم سلاحه (…) فسارعت لأناوله المستند الصحيح. لكنه صفعني (…) ثم رمى ورقة “فتح” بوجهي. هيّا، كلها!” (ص. 148). ويلي هذه الحادثة مقطع تتشابك فيه مشاعر القارئ بين الغاضب من إهانة البطل المنعوت “بالكلب” والمتسامح إزاء “خيانة فلسطين” وابتلاع مستند شرعي لفتح (ص. 149)، لأنه في الحرب، لا تهمّ الكرامة بقدر ما تهمّ النجاة من الموت..
 

وليست المعركة على الأرض فقط، ففي الأدب كما في الحقيقة، يتنقل الموت بين “أغراض الذاكرة” كما يقول المؤرخ الفرنسي بيار نورا. هكذا تتحول سيارة “السرفيس” وأشهرها من نوع “المرسيدس” في السبعينيات، الى مكان يتصارع فيه العدل والظلم: في رحلته في لبنان حيث عمل كصحافي، يتذكر شالندون كيف أن الزمن يتوقف في “السرفيس”، فالقناصون في كل مكان، ولا أحد يعلم كيف ستنتهي الرحلة. و”السرفيس” هو ذلك الكون المصغر الذي قد يفرّ اليه أي مارّ في الشارع هربا من الاشتباكات. ويحفظ التاريخ الأدبي للبنان أيضا دورا “للبندورة” التي تحولت لأمر بالاعدام. “يكفي أن تلفظ بَنْدورة عوضا عن بَنَدورة لتعدم فورا (…) فالموت في بيروت مجاني، وعلى مسافة تعديل لفظي بسيط”، يضيف ستيتيه في مذكراته (2014).
 

في زمن الحرب، تختفي الانسانية ليحل مكانها الإندفاع الأعمى، وههنا تناولنا أمثلة بسيطة لا تستهدف أي فريق معين، بل تتناول بعضا مما ورد في الكتابات الأدبية المعالجة (وهي لا تعفي أي طرف من مسؤوليته) فماذا جنى اللبنانيون من الحرب غير شرذمة هويتهم بين الانتماءات المتشعبة بمهب التغيرات الاقليمية والدولية، ذلك أن اللبناني قد حكم عليه في الأدب أن يبقى تابعا، وفي الواقع أن لا يقرأ إلا قليلا..