أخبار ساخنة

رسومٌ وضرائب : على بطون الأمهات ونعـوش الأمـوات الوزير السابق جوزف الهاشم


 
      بين الموت الخاطف بقذائف الحرب ، والموت البطيء بقذائف الضرائب ، يصبح الموت البطيء أكثر إيلاماً ، على ما فيه من عذاب ومرارات تؤدّي إلى القتل عمداً بما يُعرف بالموت الرحيم .
      الأمبراطور الروماني : "تيبيروس" عندما نصَحهُ حكَّامُ الأقاليم بزيادة الضرائب لتعزيز خزينة "الأمبراطورية الرومانية المقدسة" ، كتب لهم يقول : على الراعي الصالح أنْ يجـزَّ صوفَ خِرافـهِ ، لا أنْ يسلخَ جلودها .
      هذا كان ، في بداية القرن الميلادي الأول ...
      وبالرغم من تطوّر القرن الميلادي الواحد والعشرين ، كان لا بـدّ للأمبراطورية اللبنانية المقدسة ــ وبفعل مآثر العهد الذي سبق ــ ألاّ تكتفي بجـزِّ صوف الخِراف، بل راحت تعمل سلخاً في جلودها ، على اعتبار أنّ النعجة المذبوحة لا يؤْلمها السلـخ .
      حكّام الأمبراطورية اللبنانية المقدسة ، أفلسوا الدولة ، ولم تكن تعاني من نقصٍ في الأموال ، بل من زيادة في اللصوص .
      نهبوا أموال الشعب ، أفقروه ، حرموه أدنى موجبات الحياة ، سقوه ماءَ الحياة بـذلَّةٍ ، أطفأوا عليه نـورَ الكهرباء ، وأطفأوا عيونه عن التيار .
      الخبز معجون بالسمن واللّوز والعسل على مآدب الأغنياء ...
      والخبز معجونٌ بالجوع والدموع على مآدب الفقراء ...
والعجز الفاحش الطويل الأمد في خزينة الدولة لا يقتصر سدادُه على الفقراء الأحياء ، بل على الأجنّة في أرحام الأمّهات فتشملها الضرائب والرسوم ، يولدُ الطفل وهو مرهونٌ للدَّين .
      ومن سخرية القدر ، أنّ دولتنا العليّة سبقَ أنْ فرضَتْ في مشروع موازنة 2024 ضريبةً على أيّ نعشٍ يحتوي على جثّـةٍ بشرية من بين السلع المستوردة ، وهذا تدبير يستهدف المنتشرين اللبنانيين ، الذين نمتصُّ جنى حياتهم ، ونحاول إقصاءَهم عن حياة بني قومهم السياسية ، وحين نستقبلهم أمواتاً ، نفرض الضرائب على نعوشهم .
      في المحفوظات التاريخية ، انّ بلدية "ليون" الفرنسية عندما تعالت الضجة الشعبية على زيادة الرسوم ، قرّرت استبدالها بفرضٍ ضريبةٍ على الموتى ، سُمّيتْ ضريبة ما بعد الحياة .
      هل فكّر الذين يفرضون على اللبنانيين ضريبة الحياة ، وقبل الحياة ، وما بعد الحياة ، كيف يتسنىّ لربِّ عائلة أن يعيل عائلته وهو مثقلٌ بضخامة الرسوم والهموم ويتقاضى راتباً لا يوازي 300 دولار شهرياً ...؟
      كيف يمكن أن تقوم دولةٌ وأفراد جيشها على ضآلـة رواتبهم يضطرون إلى مزاولة عمل آخر مهما كان متواضعاً ، وكيف يمكن أن يكون للجندي في الجيش اللبناني ربُّ عملٍ آخر غير ربّ عمله الأكبر الذي هو لبنان .؟
      وكيف يمكن أن يكون المؤمن موالياً لربيّن ...
      قبل الثورة الفرنسية كان النبلاء في فرنسا يتمتعون بامتيازات خاصة : امتيازات ضريبيّـة ، وامتيازات شرَفيّة : كحمْلِ السيف ، ومقعدٍ خاص في الكنيسة، وقطع الرأس في حالة الإعدام .
       ليس ما يمنع أن يتحمّلَ عامة الشعب عندنا امتياز المعاناة في دفع الضرائب والرسوم ، إذا كان النبلاء يتمتّعون في المقابل بامتياز قطع الرأس في حالة الإعدام .
 
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 27/2/2026