
بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "قامت مريم ومضت مسرعة إلى بيت أليصابات" (لو 39:1)، قالت فيها: "تحتفل الكنيسة في هذا الأحد، من زمن الميلاد، بزيارة مريم لنسيبتها أليصابات بعد بشارة الملاك، وكانت أليصابات في شهرها السادس من الحبل بيوحنا، كما أعلمها الملاك. فقد نهضت مريم وقامت مسرعة، لتتأمل مع أليصابات في السرّ الذي انكشف، سرّ أمومة مريم لابن الله المتجسّد، وسرّ حبل أليصابات في شيخوختها، ولتخدمها حتى مولد يوحنا.
تشكّل هذه الزيارة لحظة لاهوتية غنية، إذ فيها يلتقي العهدان القديم والجديد، ويهتز الجنين فرحاً بحضور المخلّص، وتنطق أليصابات بما أوحى به الروح القدس معلنة بركة مريم، كاشفة أن ما يجري ليس حدثاً عادياً، بل زمن نعمة يتوسع ليشمل البشرية جمعاء. هنا تتجلى مريم كأم مشاركة، وخادمة متواضعة، وشريكة حقيقية في مشروع الخلاص الإلهي.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا للاحتفال بهذه الليتورجيا الإلهية، على نية زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر، التي تبدأ بعد ظهر اليوم إلى وطننا لبنان، كرسول سلام ورجاء. جاعلًا زيارته تحت شعار كلمة الرب يسوع في إنجيل التطويبات: "طوبى لفاعلي السلام" (متى 5: 9). إنّ اختيار البابا لاون الرابع عشر لبنان لإتمام أول زيارة رسولية هو علامة تمسّكه وتمسّك الكنيسة الجامعة من خلاله بلبنان الوطن الرسالة. لبنان أرض لقاء الأديان والثقافات والحوار الصادق من أجل تحصين شراكة اسلامية مسيحية تبقى إحدى علامات رسالة لبنان وملازمة لهويته. إنّ اللقاءات التي ستشهدها زيارة قداسته مع رؤساء الطوائف كافة تعكس أمانته للصيغة اللبنانية، وتمثّل دعوة صريحة إلى جميع اللبنانيين ليكملوا معًا مسيرتهم الحضارية في ظل دولة عادلة قادرة قوية تبعد لبنان عن كل محاور الصراعات الإقليمية والدولية، وتحفظه محايدًا نموذجًا حضاريًا للعالم أجمع، الذي يهدده صراع الحضارات. إنّ لبنان الذي يتطلع الحبر الأعظم إليه هو لبنان الوحدة والتضامن بين جميع أبنائه مسلمين ومسيحيين تسودهم المساواة في الحقوق والواجبات، يتطلع كل منهم بدوره لتكامل أدوارهم في إطار العائلة اللبنانية الواحدة. نقف اليوم أمام إنجيل استثنائي في معناه ووهجه الروحي، إنجيل تلتقي فيه السماء بالأرض، وتظهر فيه ملامح الخير الإلهي في أبسط صورها الإنسانية، حيث تسير مريم، الحاملة كلمة الله في أحشائها، نحو أليصابات، لا بدافع العاطفة فقط، بل من منطلق الإيمان الحي الذي لا يكتفي بالتأمل بل يترجم نفسه عملاً وخدمة ورسالة. إن مريم، التي تلقّت بشارة الملاك بحمل المخلّص، لم تحتفظ بسرّها في صمت منعزل، ولم تكتفِ بفرح داخلي خاص، بل نهضت مسرعة إلى بيت نسيبتها أليصابات، لتكون حاضرة إلى جانبها، مشاركةً إياها انتظارها، ومساندةً لها في ضعفها الجسدي، وحاملةً إليها فرح السماء وسلامها".
أضاف: "هذه الزيارة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل عبور من الذات إلى الآخر، ومن الاكتفاء إلى العطاء. إنها زيارة تتولّد منها الخدمة، والخدمة هي ثمرة طبيعية للإيمان. لقد بقيت مريم ثلاثة أشهر، لا كضيفة عابرة، بل كخادمة صامتة، تسهر، تعتني، تواسي، وتشارك أليصابات تعبها وفرحها حتى لحظة الولادة. وهكذا تعلّمنا العذراء أن الخدمة ليست ضعفاً، بل قمّة العطاء، وأن من يحمل المسيح في قلبه لا يستطيع إلا أن يتحوّل إلى يد تمتد، وصوت يطمئن، وحضور يخفف ثقل الطريق عن الآخر. فالزيارة تصبح فعل محبة، والخدمة تصبح تعبيراً صادقاً عن الإيمان العامل بالمحبة. الزيارة في الإنجيل هي مبادرة، ولبنان اليوم بحاجة إلى رجال ونساء يملكون جرأة المبادرة، للخروج من حالة الجمود والانقسام، نحو لغة الخدمة والعمل الصادق، حيث يصبح الوطن أولوية لا شعاراً، ورسالة لا ساحة صراع. مريم لم تسأل عن الظروف، ولم تحسب المسافة، ولم تتهرّب من التعب، بل حملت في قلبها مسؤولية الآخر. وهكذا يُدعى اللبناني اليوم إلى أن يحمل وطنه بهذا العمق، لا كعبء، بل كرسالة، لا كملكية خاصة، بل كوديعة مقدسة. لبنان الذي جُبل بتنوعه، يحتاج اليوم إلى أن يستعيد روح اللقاء، كما التقت مريم بأليصابات، لقاء يثمر فرحاً، لا يأجّج الانقسام. فالوطن لا يُبنى بالخطابات، بل بخدمة تشبه خدمة العذراء، صامتة، صادقة، وملؤها الإيمان. لبنان بحاجة اليوم إلى روح الإنجيل في السياسة، وإلى روح الخدمة في القيادة، إلى لقاء يسبق الحكم، وإلى محبة تسبق المصلحة. تماماً كما التقت امرأتان في تواضع الإيمان، يمكن أن يلتقي اللبنانيون حول مشروع حياة لا موت، رجاء لا يأس، وطن لا ساحة نزاع".
وقال: "الخدمة التي جسدتها مريم في زيارتها ليست مجرد فعل عاطفي، بل رؤية أخلاقية عميقة تقول إن الإنسان يُقاس بقدرته على أن يكون إلى جانب الآخر، وأن قوّة المجتمع تُبنى على التضامن لا على الإقصاء، وعلى الحكمة لا على التشنج، وعلى الشراكة لا على الهيمنة. في ظل التحديات المتراكمة، يبقى الرجاء قائماً حين تستعيد النفوس بوصلتها الأخلاقية، وحين تتقدّم القيادات بخطاب مسؤول يضيء الطريق بدل أن يعمّق الهوة، وحين يُترجم الإيمان إلى موقف، والضمير إلى قرار، والالتزام إلى فعل بناء.وهكذا يصبح إنجيل الزيارة دعوة وطنية عميقة إلى تجديد أسلوب التفكير والممارسة، وإلى إعادة بناء الثقة بين الإنسان ودوره، وبين الأرض ورسالتها، وبين الحاضر ومشروع الغد. نرفع صلاتنا اليوم بثقة إلى الله، كي يسكب الرب نوره على قلوب القائمين على الشأن العام، ويمنحهم بصيرة الحكمة، وصفاء الرؤية، وشجاعة الحقيقة، وأن يملأ النفوس سلاماً وقدرة على السعي نحو ما يخدم الإنسان ويصون الكرامة ويحقق العدالة. كما نصلّي من أجل الكنيسة، ومن أجل كل من يحمل رسالة خير، ومن أجل أن تبقى زيارة قداسة البابا علامة رجاء متجددة، ونورًا على درب المستقبل. فنرفع المجد لله، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".
بعد القداس استقبل الراعي المؤمنين المشاركين في الذبيحة الإلهية.